أخبــاربلاد المهجرنبض الساعة

فرنسا تواجه ملف الإخوان.. صراع بين التشدد والتهدئة

بعد مرور عام على صدور التقرير الرسمي الذي حذر من تنامي ما تصفه السلطات الفرنسية بـ”تغلغل جماعة الإخوان المسلمين” داخل بعض مؤسسات المجتمع، لا تزال باريس تواجه صعوبة في تحويل هذا التقييم إلى إطار قانوني واضح ونافذ.

وبين مشاريع تشريعية متنافسة، وإشكالات قانونية، وحسابات سياسية مرتبطة بالانتخابات المقبلة، بقي الملف في دائرة التجاذب، فيما تستثمر أطراف المعارضة اليمينية القضية لتوجيه انتقاداتها للحكومة والمطالبة بإجراءات أكثر تشددًا.

تقرير أثار الجدل

بدأت القضية في مايو/ أيار 2025، مع تقديم تقرير رسمي بعنوان “الإخوان المسلمون والإسلام السياسي في فرنسا” إلى مجلس الدفاع والأمن القومي، قبل إتاحته لاحقًا للرأي العام.

ورصد التقرير ما وصفه بـ”استراتيجية اختراق تدريجي” تعتمد على توسيع الحضور داخل عدد من المجالات الاجتماعية، من بينها الجمعيات والمؤسسات التعليمية والأندية الرياضية وبعض الهياكل المحلية، بعيدًا عن أساليب المواجهة المباشرة.

وأشار التقرير إلى وجود عدد من المساجد والمؤسسات والجمعيات التي قال إنها ترتبط فكريًا أو تنظيميًا بالحركة، إضافة إلى إجراءات اتخذتها السلطات الفرنسية منذ إقرار قانون مكافحة “الانفصالية” عام 2021، شملت إغلاق عدد من المؤسسات بشكل مؤقت أو نهائي.

لكن هذه المعطيات لم تحظَ بتوافق كامل داخل فرنسا؛ إذ يرى تيار يميني أنها لا تعكس حجم الظاهرة بشكل كافٍ، بينما يعتبرها باحثون وشخصيات من اليسار مبالغًا فيها، محذرين من توسيع دائرة الاتهام لتشمل تيارات إسلامية مختلفة.

مشروعان بلا حسم

رغم دعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بعد مناقشة الملف في مجلس الدفاع إلى إعداد تشريع جديد، فإن أي قانون نهائي لم يرَ النور حتى الآن.

ويعود التعثر إلى وجود مسارين تشريعيين مختلفين:

الأول يتمثل في مقترح برلماني قدمه السيناتور برونو ريتايو، ويتضمن إجراءات من بينها استحداث مخالفات مرتبطة بما يعتبره “مساسًا بمبادئ الجمهورية”، وتوسيع صلاحيات حل الجمعيات، وإمكانية تجميد أصول مالية مرتبطة بها. وقد حظي المقترح بموافقة مجلس الشيوخ، لكنه لا يزال ينتظر مناقشته في الجمعية الوطنية.

أما المسار الثاني، فهو مشروع حكومي أعده وزير الداخلية، ويركز على مواجهة مختلف أشكال التأثير الأيديولوجي داخل المؤسسات، وليس تيارًا بعينه فقط، وقد أُحيل إلى مجلس الدولة لمراجعته قبل عرضه على البرلمان.

عقبة قانونية

تتمثل إحدى أكبر التحديات في غياب تعريف قانوني واضح لمفهوم “الاختراق”، إذ لا يسمح القانون الفرنسي بتجريم تيار فكري أو شبكة علاقات لمجرد الاشتباه في نفوذها، بل يتطلب وجود أفعال محددة يمكن إثباتها أمام القضاء.

كما أن طبيعة نشاط جماعة الإخوان في فرنسا، وفق ما تشير إليه السلطات، لا تقوم على تنظيم مركزي واضح، بل عبر جمعيات وهيئات مستقلة، ما يجعل إثبات وجود استراتيجية موحدة أمرًا معقدًا من الناحية القانونية.

ولهذا أقر مسؤولون حكوميون بأن مصطلح “الاختراق” لا يزال بحاجة إلى تحديد قانوني دقيق قبل اعتماده كأساس لأي إجراءات قضائية.

صراع سياسي محتدم

إلى جانب الجوانب القانونية، يواجه الملف حسابات سياسية متشابكة؛ فاليمين يتهم الحكومة بالتردد في اتخاذ خطوات حاسمة، بينما يحذر اليسار من أن بعض المقترحات قد تؤدي إلى الخلط بين الإسلام كدين وبين الحركات السياسية ذات الطابع الديني.

أما الحكومة، فتحاول تحقيق توازن بين مواجهة ما تعتبره تهديدات محتملة، والحفاظ على الحريات العامة ومبادئ الدولة القانونية، وهو ما أدى إلى تأخير القرارات النهائية.

وفي المقابل، يسعى التيار اليميني إلى تعزيز حضوره عبر تبني خطاب أكثر تشددًا بشأن الملف، وسط اتهامات من خصومه باستخدام القضية لأهداف انتخابية.

اختبار البرلمان المقبل

يرتبط مستقبل التشريع بثلاث خطوات أساسية، تتمثل في تحديد مصير المقترح البرلماني داخل الجمعية الوطنية، وانتظار رأي مجلس الدولة بشأن المشروع الحكومي، ثم اختيار الصيغة النهائية التي ستعتمدها السلطة التنفيذية.

وبينما يبدو أن هناك توافقًا داخل مؤسسات الدولة الفرنسية على ضرورة متابعة الظاهرة، يبقى الخلاف قائمًا حول طبيعة الأدوات القانونية والسياسية المناسبة للتعامل معها، ما يفسر استمرار الجمود بعد عام كامل على صدور التقرير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى